الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

88

نفحات القرآن

أنّ فطرة التوحيد للأجنّة هي أمر مستمرّ ويتحقّق في كلّ زمان ، والإشكالان يمكن الإجابة عليهما وذلك لعدم مانعية حمل هذا الكلام على لسان الحال مع القرينة ، وقد كثر ذلك في اللغة العربية نثراً وشعراً و . . . ، والإشكالات المهمّة التي ترد على التفسير الأوّل قرينة واضحة على هذا التفسير ، والفعل الماضي قد يستعمل في الاستمرار أيضاً ، وهذا - طبعاً - يحتاج إلى قرينة أيضاً ، وهذه القرينة موجودة في موضوع البحث « 1 » . أمّا التفسير الثالث القائل بأنّ المراد هو : سؤال الأرواح فانّه لا ينسجم مع آية البحث أبداً ، لأنّ الآية تتحدّث عن أخذ الذرّية من ظهور بني آدم ولا يرتبط هذا بقضيّة الأرواح . وأمّا التفسير الرابع القائل بأنّ السؤال والجواب كان بهذا اللسان الطبيعي ويرتبط بمجموعة من البشر قد سئلوا بعد إبلاغهم بواسطة الأنبياء عن مسألة التوحيد وأجابوا بالإيجاب عليه ، فإنّ عليه إشكالات رئيسية منها : إنّ الآية تتحدّث عن جميع البشر لا مجموعة صغيرة منهم آمنوا بالأنبياء أوّلًا ثمّ كفروا ، مضافاً إلى أنّ ظاهر الآية هو كون السؤال من قِبَلِ اللَّه لا من قبل الأنبياء . ولا يصحّ ما يظنّه البعض من أنّ جملة : « إنّما أشرَك آباؤُنا من قَبْل » دليل على أنّ الآية تقصد المجموعة التي أشرك آباؤها ، لأنّ الآية تذكر عذرين غير موجّهين للكفّار ، الأوّل هو الغفلة والثاني التقليد للآباء المشركين . ويمكن أن يكون كلّ عذر لمجموعة خاصّة وأنّهما معطوفان بكلمة ( أو ) . وأمّا التفسير الخامس فإنّه يشابه التفسير الثاني من جهات مع وجود فارق وهو : أنّ التفسير الثاني يتحدّث عن الفطرة القلبية ، بينما يتحدّث التفسير الخامس عن فطرة العقل وكما أسلفنا فإنّ هذا التفسير قد مال إليه كثير من المفسّرين الأعلام . وأمّا التفسير السادس الذي ورد في « تفسير الميزان » فإنّه يواجه إشكالَيْن كبيرين : الأوّل : هو إثبات عالمين ( عالم جمعي وعالم تفصيلي ) ولا دليل واضح لهما حسب ما ورد من البيان .

--> ( 1 ) شوهدت هذه العبارة كثيراً في الآيات القرآنية : فاطر ، 44 ؛ الشورى ، 51 ؛ الفتح ، 11 ؛ الفتح ، 19 .